الشيخ العلامة الإمام محمد بن عبدالله بن سعيد بن خلفان(١)١ ١٣٣٨هـ -١٣٧٣هـ

اهو الشيخ العلامة المحقق محمد بن العلامة العابد الشاعر الفحل عبدالله بن العلامة المحقق سعيد بن خلفان الخليلي الخروصي اليحمدي الأزدي. عقد العلماء والزعماء في اليوم الثاني عشر من ذي القعدة عام ١٣٣٨هـ مؤتمرا تمخض عن انتخابهم له إماما للدولة وقد اعتذر إليهم عن تولي هذا المنصب. ولكنهم لم يقبلوا منه، وبعد مناقشات استغرقت وقتا طويلا بينه وبين العلماء لم يمكنه إلا قبول أمرهم فوجهت الدعوات للناس للحضور بجامع نزوى يوم الجمعة ١٣ من ذي القعدة عام ١٣٣٨هـ حيث تم نصبه إماما للدولة.

ولد الإمام محمد في قرية سمائل سنة ١٢٩٩هـ، ونشأ في حجر أبيه العلامة عبدالله بن سعيد بن خلفان. قرأ النحو على الشيخ محمد بن عامر الطيواني، ويجالسه للمذاكرة الشيخ عبيد بن فرحان المعروف بالبحر الأسود، والشيخ العلامة حمد بن عبيد السليمي، ويناظرهم الشيخ أبو وسيم خميس بن سليم المنذري بالولاء.

درس الإمام محمد فنون العلم على أبيه الشيخ العلامة عبدالله بن سعيد وعمه الشيخ العلامة أحمد بن سعيد. ثم هاجر إلى الشرقية للدراسة على الإمام نور الدين السالمي حيث قرأ عنده التفسير والحديث والأصول، فصار علما من الأعلام، وحجة في المعقول والمنقول والمنثور والمنظوم، حتى صار أكبر عالم بعمان في عصره.

كانت الرئاسة لآبائه على بني رواحة، وهم بنو عبس ومن تبعهم من قبائل أخرى، ثم كانت له قبل ارتقائه عرش الإمامة.

كان أبيض اللون، جميل الخَـلْق، حسن الخُلُق، مُدَوَّرُ اللحية، نحيف البُنْية، تنجذب إليه النفوس حبا. بعيدٌ عن الصلف، بعيدٌ عن الغضب، لا تراه غضبان أبدا، إلا إذا انتهكت محارم الله، دائم الفكر، حمولٌ للأذى، واسع الصدر، أكثر دهره صامتا، فإذا تكلم تكلم بعلم، وإذا سكت فعن أدب. أعطاه الله التوسُّم، فإذا دخل عليه الزائر وجَّهَ نحوه شعاعا قويا من عينيه، فاستخرج بتوسمه ما أكنه بين يديه، فعبَّر له عن فكره قبل أن يفوه بمراده، وأعرب له عن قصده الذي جاء إليه، إن خيرا أو شر. فيتحقق بعد الفحص صدق حدْسه، حتى إنَّ بعض الوفود يُرْتَجُ عليه أن يفوه عنده بشيء. يباسط الناس الخاصة والعامة، ويقصُّ لهم القصص الدينية، والآداب الدنيوية. أحرز الحالتين، يسلّي المتوجع، لا يرد سائلا ولا مسترفدا، ولا يملك ما بيده، أكرم أهل زمانه، كأنما عناه القائل:

ولولم يكن في كفه غير نفسه      لجــــاد بها فليتق الله سائله

يجلس إلى الناس يعلمهم أمر دينهم ودنياهم، يقضي نهاره في خدمة المسلمين، يجره المرأة والخادم، والصغير والكبير والضعيف والقوي، لا يأنف من أحد، فيقضي حاجتهم ويرجع إلى مجلسه، حتى إنه في بعض الأوقات  يتولى بيده علاج بعض المرضى من الضعفاء، ويتولى كل أمور المسلمين حتى بَرَوَات(٢) الطعام لدواب الضيوف ودواب الدولة. مَلَكَ روح الشعب بالمحبة والسياسة واللين، لا بالقوة والجبروت، عَظَّمَهُ الناس لصغر الدنيا في عينيه فلا يرى لها قدرا.

كان قبل ارتقائه عرش الإمامة في رغد من العيش، وتأنق من اللباس؛ لأنه كان غنيا، فلما ولي الأمر رغب عن ذلك مع كثرة غناه، فكان يطوي الأيام والليالي(٣)، ويفطر على التمر والعوال(٤)، كثير صيام التطوع، حتى ابتلي بنقصان بصره لكثرة صيامه وتقشفه في المعيشة، بقي خمسة أشهر مكفوفا فاحتاج إلى علاج الطبيب، فأرسل إلى تومس(٥) الأمريكي من مسقط فلبى دعوته، فعالجه فأبصر من إحدى عينيه. كان لا يلوم أحدا على ما يكون العذر في مثله. لا يشكو وجعا ولا صاحبا. لا ينتقم من الولي على العدو، ولا يغفل عن الولي، لا يخص نفسه دون إخوانه بشيء من اهتمامه، ولا يتبرم ولا يضجر، تأتيه الحوادث تطرقه الكوارث فلا يتغير ولا يتضعضع، يتلقاها بصدر وسيع.

كانت له ثروة خاصة مما ورثه من آبائه الكرام، فباع أصولها بمئة ألف قرش وخمسين ألف قرش(٦) صرف عمان عبارة عن خمسمئة ألف روبية وخمسة وعشرين ألف روبية هندية، أنفقها في سبيل الله، لإعزاز الكلمة وأن تكون له ذخرا عندالله. توفي رحمه الله تعالى ولم يعقب ولدا ولا مالا، فهو رحمه الله منقطع القرين. توفاه الله عزوجل يوم الإثنين التاسع والعشرون من شهر شعبان من سنة ١٣٧٣هـ في نزوى ودفن بها بين قبري الإمامين ناصر بن مرشد وسلطان بن سيف. وقد بلغت مدة إمامته أربعا وثلاثين سنة وتسعة أشهر وسبعة عشر يوما.

(١)  أنظر سيرته في كتاب نهضة الأعيان ص ٣٧٧-٣٨٠، وص ٥٠٦.

(٢)  البَرَوَات جمع بُرَة وهي الحديدة التي توضع في أنف الناقة لكبحها، ثم استعملها أهل عمان في لغتهم لوصف جذاذة صغيرة من الورق تكتب فيها الأوامر من قبل أولي الأمر. والمقصود هنا أن الإمام محمد كان يرعى كل شيء تحت سلطته بما فيها دواب الضيوف حيث يكتب الأمر بإطعامها إلى عماله.

(٣)  يطوي الأيام والليالي أي يبقى طاويا على بطنه الحجارة تصبرا على الجوع لعدم وُجْدِهِ ما يأكله من الطعام.

(٤)  العوال: سمك مجفف في الشمس.

(٥)  كان الطبيب طومس صاحب إرسالية تبشيرية يعالج الناس لأجل نشر ديانته بينهم. وقد صارت له شهرة لأنه الطبيب الوحيد في عمان يعالج الناس بالطب العصري.

(٦)  القرش عملة فضية نمساوية تعرف بدولار ماريا تريزا كانت تستعمل في عمان، وقد استبدلها السلطان سعيد بن تيمور بعملة ورقية هي الريال السعيدي في سنة ١٩٧٠م، ثم غيِّر السلطان قابوس تسميتها إلى الريال العماني.