ولد الشيخ عبدالله بن سعيد بن خلفان الخليلي سنة ١٢٧٩هـ، وذلك لأن عمره كان تسع سنوات حين وفاة والده المحقق سعيد بن خلفان سنة ١٢٨٧هـ.
كان على سدة إمارة وادي سمائل، قال عنه الشيخ الشيبة السالمي: "بقيت إمارتهم عليها الشيخ العلامة عبدالله بن سعيد والد إمامنا الحالي (يقصد الإمام محمد بن عبدالله الخليلي)، وكان عالما جليلا كثير الإطلاع على فنون العلم، كثير قيام الليل، وهو الأمير، والسيد المطلق في وادي سمائل، وله اليد الطولى والنصيب الأوفر في المجد والحظ، يجر الجيوش بعمان لقهر من خاصمه، وردع من ناوأه، واحتل كثيرا من بلدان من نازعه، فأذلهم وأدخلهم تحت طاعته. وقد استنكر على الإمام سالم بن راشد الخروصي في دخوله لحصن سمائل بعد خروج السيد نادر بن فيصل منه، وقبل مضي المدة المشروطة؛ لأن الأمركان على يده، فهو يهوى إتمام ما تكفل به من الشروط على أوفر ما يكون(١). وقال عنه:
"كان الأمير عبدالله الخليلي عالما بفنون العلم أديبا وعبقريته الشعرية غير مستنكرة. وله ديوان ضخم في الحماسة والفخر والغزل والنسيب بلغني أن ابنه سيدي الإمام مزقه، ولم يبق منه إلا ما تداولته ألسن الناس.
كان عالما ضليعا، وعابدا قائما، وزعيما حكيما، وشاعرا مفلقا. لم يُـنْطَـقْ اسمه إلا مسبوقا بلقب الزعيم، هكذا يصفه العلماء الذين أرخوا له. اتخذ لنفسه دورا مجيدا في الحياة، فرغم أن أباه المحقق سعيد بن خلفان كان الناهض بأمر إمامة الدولة حتى تم على يديه نصب السيد عزان بن قيس البوسعيدي إماما لها.
وكذلك تم نصب ابنه العلامة محمد بن عبدالله بن سعيد إماما من قبل أهل الحل والعقد في عصره، لكن أباه الشيخ عبدالله بن سعيد ظل يعمل لوصل ما ينقطع بين الإمامة والسلطنة دون أن يبدي انحيازا إلا للحق. لهذا كانت الثقة في نزاهته وحكمته وطيدة لدى كل من الإمام والسلطان.
ومن دلائل ذلك أنه لما نشأ صراع قوي بين رجال بيت الزعامة النبهانيين وأدَّى إلى اغتيال بعضهم البعض، ولحق الضرر بآخرين، قام السلطان فيصل فجهز جيشا جعل رئيسه الشيخ عبدالله بن سعيد، وجعل خادمه الوالي سليمان بن سويلم قائدا للجيش(٢).
ومن دلائل ذلك أيضا أنه حين حُصِرَ السيد نادر في حصن سمائل من قبل الإمام سالم بن راشد الخروصي وجيشه حين جاء ليستولي على سمائل، وأصبح السيد نادر في وضع حرج تدخل الشيخ عبدالله بن سعيد الخليلي بين الطرفين لإيجاد مخرج سلمي للأزمة الناشبة بينهما، ونجح مسعاه، وفي تفاصيل الرواية التي أوردها الشيخ الشيبة السالمي في كتابه نهضة الأعيان دلالة واضحة على زعامة الحكمة في شخص الشيخ عبدالله، يقول الشيخ الشيبة وأنقل عنه بتصرف في العبارة:
خرج الإمام سالم بن راشد الخروصي من أزكي بجنوده إلى سمائل بقصد الاستيلاء عليها وكان ذلك في يوم ٢٦ من رجب سنة ١٣٢٤هـ حيث دخلها بجيشه من جميع جهاتها، فخرج السيد نادر بن السلطان فيصل بأمر أبيه لمقاومة الثائرين. فلما تحققت المواجهة بين الطرفين أخذت جموع السيد نادر تفر من ميدان المواجهة، عند ذلك لم يكن أمامه وقد أصبح معزولا إلاَّ أن يلوذ بالحصن ويدافع بمن بقي عنده من بني عمه وكانوا اثني عشر سيدا وغيرهم من الرؤساء (الشيوخ) أهل الثبات. لكنهم تضعضعوا بعد ذلك بسبب انهدام سور الحصن، فيئسوا من الخروج سالمين من هذه المحنة. هنا تدخل الشيخ عبدالله بن سعيد الخليلي بين الطرفين لإيجاد تسوية، فدخل على السيد نادر في الحصن وعرض عليه ما عنده من رأي ليخلصوا من الحصار وهو أن يخرجوا من الحصن في كفالته وأن يكون الحصن في ضمانته طيلة خمسة عشر يوما من يوم خروجهم فإن استطاع السلطان فيصل خلال تلك الفترة إرسال من يستلم الحصن منه سلمه له وإلا فلا لوم عليه بعد ذلك إن سلمه للإمام.
وكان الشيخ عبدالله قبل أن يتعهد بهذا للسيد نادر استأذن لأجله الإمام، فوافق الإمام على ذلك. وهكذا نجح الشيخ عبدالله في إنهاء تلك المواجهة بين الإمام والسلطان، وأنقد ابن السلطان وبني عمه ومن معهم.
فقبول الإمام والسلطان مسعى الشيخ عبدالله يدل على رضاهم عنه كزعيم حكيم ووسيط نزيه.
وحيث إن خروج السيد نادر من الحصن كان تحت ضمانة الشيخ عبدالله فقد مكث ليلة خروجه بمنزل الشيخ الخليلي بسحراء، ثم أصبح متوجها إلى مسقط يرافقه الشيخ عبدالله حتى أوصله بلدة الخوض القريبة إلى مسقط ومن هناك جعل ولده الشيخ علي بن عبدالله يرافقه إلى عاصمة ملك أبيه (مسقط).
وكان الشيخ عبدالله قبل خروجه لمرافقة السيد نادر جعل ولده الشيخ محمد بن عبدالله (الذي أصبح إماما بعد ذلك) في الحصن نائبا عنه في قبضه لحين رجوعه. لكن الشيخ محمد رأى تسليم الحصن إلى الإمام سالم فسلمه إليه قبل رجوع أبيه من الخوض، فاستلم الإمام الحصن وبقي فيه. وصل الخبر إلى الشيخ عبدالله وهو ببلدة الخوض، فرجع إلى سمائل وقلبه يتميز غيضا. فقد رأى فيما حدث من قبل ولده والإمام انتقاصا لذمته وانتهاكا لحرمته، وهو شيخ أبي وفي كريم اعتاد الإمرة والعزة. وانتهى خبر حنقه وغيظه إلى الإمام سالم قبل وصوله سمائل فانتقل الإمام من الحصن احتراما له وبقي الإمام في ضيافة محمد (الإمام لاحقا) نجل الشيخ عبدالله بمحلهم المعروف سحراء، وأقام الأمير الخليلي بالحصن إلى انتهاء المدة المقررة. ولما لم يرسل السلطان من يستلم الحصن خرج منه وتركه للإمام.
لكن حادثة تسليم الحصن من قبل ابنه للإمام وقبول الإمام بذلك بقي مؤثرا في نفسه لأنه شعر أن عهده الذي قطعه ببقاء الحصن في قبضته لحين يرى السلطان رأيه قد أضيع، وهو قبل أن يعطي ذلك العهد قد استأذن الإمام فأسعفه بالموافقة. لهذا كان لهذه الحادثةجرح بليغ في نفسه. لهذا السبب خرج من دار إمارته إلى جوار السلطان في شهر المحرم سنة ١٣٣٢هـ فأقام في ظله. وقد أدى قراره هذا إلى تحامل شعراء دولة الإمامة عليه رحمه الله. وكان أشدهم تحاملا عليه شاعر العرب أبومسلم في نونيته وميميته، ففي نونيته قوله:
أقول للبعض منكـم وهْـوَ عن أسف والحر يأسفُ للأحرار إن شانوا
قــــد كنت نخبة هذا الـمجد من قـدم واليــوم أنت على الأبواب ذُبَّانُ
إلى آخر القصيدة يعنّفه ويلومه. ويقول في مميميته:
أليـس من الغــــــم الـممـيت وقوعها وطـرْفُ وليُّ الثأر في الأمـن نائم
فإن خام عنه وارتضى الضيم مَلْـبَساً وسـالَــــــمَ فالإيمـــانُ ليس يُـسَالِمُ
وفاته رحمه الله:
توجه الشيخ عبدالله في زيارة إلى الباطنة ، ومنها إلى بلدان الحواسنة، وقد أُعِدَّ له استقبال واحتفال يليق بزعامته، كما هي عادة العمانيين للأشراف والأجلاء. وقبل ترجله عن راحلته أصابته رمية من غير عمد طاشت من الاحتفال، فكانت سببا لحتفه. وكان ذلك في جمادى الثانية سنة ١٣٣٢هـ. وقد غضب السلطان على رئيس الحواسنة سيف بن محمد فأودعه السجن سنوات عديدة ثم أطلقه. ترك من العقب الإمام محمد وأخوه الشيخ علي، وكان علي أصغر سنا من الإمام بسبعة أشهر. أما الشيخ علي فإنه بقي بجوار السلطان، وقد عمل له على وادي بوشر حتى توفي بمطرح يوم ٢٨ من ربيع الأول سنة ١٣٦٨هـ في عصر أخيه الإمام"(٣).
(١) أنظر كتاب نهضة الأعيان، ص٣٨٨.
(٢) نهضة الأعيان ص٢٤١.
(٣) أنظر كتاب نهضة الأعيان، ص ٣٩١.